Article

Primary tabs

إفْتتاحيّة – وَثيقة بعبدا

كتب رزق الله الحلو

شكَّلت القمَّة اللُّبنانيَّة – اليونانيَّة أَمْس الخَميس في القَصْر الجُمْهوريّ في بعبدا، خُطْوةً إِضافيَّةً في سياسة رئيس الجمهوريَّة العماد ميشال عون الخارجيَّة، والَّتي لَطالَما تميَّزت بالعَمل الدَّؤوب لتَرْسيخ السَّلام العالميِّ العادل، القائِم على احْتِرام القَرارات الدَّوْليَّة، وخلق مُناخٍ مِن شَأْنه أَنْ يُنمِّي ثَقافة الحِوار…

ومن هُنا تأتي دعوته إِلى ذلك، من خِلال تَأْكيده أَنَّ الحِوار الحَقيقيَّ، من شَأْنه أَنْ يُعيد للشَّرق العَظيم دَوْره، فـ “لا تُفرَّغ أَرْض المَشْرق مِن أَهْلها” وبذلِك “يَبْقى المَسيحيُّون في الأَراضي المُقدَّسة: مَهْد المَسيح ودَرْب الجُلْجُلَة والقَبْر المُقدَّس… ويَبْقى المُسْلمون في القُدْس والمَسْجد الأَقْصى”… وإِذَّاك “نَسْتعيد مَشْرقنا المُتميِّز بتنوِّعه الدِّينيّ والمُجْتمعي والثَّقافيّ – الحَضاري… ونحمي شَرْقنا الحَبيب من العُنْصريَّة الآحاديَّة الطَّابع، المُتنافِرة والمُتَقاتِلة… ونَكْسر حَواجز التَّطرُّف والتَّقَوْقع والانْغِلاق ورَفْض الآخَر المُخْتلف”!.

غير أَنَّ السَّلام الَّذي يَعْنيه الرَّئيس عَون، لا يَعْني التَّنازل عن الحُقوق البتَّة… لذا فقَد أَكَّد أَمام ضَيفِه اليونانيّ بروكوبيس بافلوبولوس أَمس، ومرَّةً جَديدة، “حقَّ لُبْنان في اسْتِخراج النَّفْط والغاز ضمْن المنْطَقة الاقْتِصاديَّة الخالِصَة. كما وشدَّد على رَفْض الانْضِمام إِلى أَيِّ مُنْتدى أو آليَّة تَعاونٍ تُشارِك فيهما إِسْرائيل، وبخاصَّةٍ “مُنْتدى غاز شرق المُتوسِّط”.

وقد لاقى الرَّئيس اليونانيّ نَظيره اللُّبنانيّ في مُنْتَصف الطَّريق، مُشيدًا بـ “القَدْر الكَبير مِن عَظَمة النَّفس” الَّذي أَظْهره لبنان “تجاه البَشر الَّذين طَلبوا مِنْه العَوْن، وهو لم يَحْصل على جوابٍ مُلائمٍ من الاتِّحاد الأُوروبيّ”… وأَضاف: “لو احْتَرمت أُوروبا ثَقافتها وتاريخها، وتدخَّلت في الوَقْت الَّذي كان يتوجَّب عليها ذلك، فإِنّي لواثِق أنَّ الحرْب كانَت انْتَهت قبل الآن بكثير… والنَّتائج كانَت لتَكون أَقلّ بكثيرٍ ممَّا شاهَدْناه في ما بعد”.

وثمَّة مُلاحَظة أُخْرى تُسجَّل انْطِلاقًا ممَّا أَعْلنه الرَّئيسان في المُؤْتمر الصِّحافيّ الَّذي أَعْقب القمَّة بَيْنهما، وهو ارْتِفاع مَنْسوب “الحَقْل المُعْجميّ” العائِد إِلى ثَقافة الحِوار وتقبُّل الآخَر والانْفِتاح عليه، ما يَجْعل مِن قمَّة بيروت تَوأَمًا لـ “وَثيقة أَبوظبي”، الَّتي وقَّعها في 4 شباط الماضي قداسة البابا فرنسيس، وشَيْخ الأَزْهر أَحْمد الطَّيِّب، في الإِمارات العَربيَّة المُتَّحدة.
فتَأْكيد الرَّئيس بافلوبولوس أَنَّ اليونان ولبنان “مُؤَهَّلان وحاضران ليَكونا رائِدَي الحِوار بين الحَضارات”، وحوارهما “نَموذج إِلى الآخرين ليَسيروا به”، قابلَه رَفْع الرَّئيس عَوْن مذكّرةً عن آليَّة إِنشاء “أَكاديميَّة الإِنْسان للتَّلاقي والحوار”، طالبًا من ضَيْفه دَعْمًا لإِنْشائها. فقد “اغْتَنم” الرَّئيس عَوْن فُرْصة اللّقاء، ليُطْلع نَظيره اليونانيّ على المُبادرة الَّتي أَطْلقها لبنان، من على مِنْبر الأُمم المُتَّحدة بإِنشاء الأَكاديميَّة تلك.

وقد ردَّ الرَّئيس اليونانيّ التَّحيَّة “العونيَّة” بمثلها، حين قال: “إِذا ما تطلَّعْنا إِلى الأُمور في عُمْقٍ أَكْبر وتساءَلْنا: ما هو الأَكْثر أَهميَّةً في هذه الرَّوابط الَّتي تَجْمعنا؟، لأَدْرَكنا أَنَّ العنصر الأَساسيَّ الَّذي نَمْتلكه ونَتشارك فيه، ليس إِلاَّ الحِوار بين حضاراتِنا”. كما وأَضاف: “بين لبنان واليونان قيمٌ ومبادئُ على مُسْتوى حضاراتِنا. فنحن شَعْبان وبلدان دافَعا عن قيمٍ ومَبادئ أَساسيَّة في خِدْمة الإِنْسان والعالم”، مُسمِّيًا مبادئ “التّضامن، والدِّيمقراطيَّة، وحُقوق الإِنْسان، والرُّوح الإِنْسانيَّة، والعَدالة، وبِصورةٍ خاصَّة العَدالة الاجتماعيَّة”.

وإِنْ تَأْتيك قمَّة بهذا الكلام الجازِم والحازِم لإِرادةِ العَمل على نَشْر ثَقافة الحِوار والانْفِتاح، فذلك يُؤشِّر إِلى إِرادةٍ حقيقيَّة لتَأْدية دورٍ حضاريّ وعلى المُسْتوى الإِنْسانيّ.

كما وإِنَّك حين تُسجِّل أَنَّ هذه الإِرادة الَّتي لا لبْس فيها لنَشْر “المبادئ والقيم الإِنسانيَّة” انْطِلاقًا من دَوْلتين عاشَت كلٌّ مِنْهما مُعاناتها الخاصَّة نَتيجة دَفْع الفاتورة السِّياسيَّة الدَّوْليَّة، فإِنَّ المُعاناة تلك قد طَهَّرت بنارها إِرادة السَّلام المَمْهورة بالعدالة الدَّوليَّة!.

وفي مَقْدور الدَّولتَين أَنْ تَكونا “رائدتَين” لحوار الثَّقافات والحضارات، وبالتَّالي تَفْتحان طرقًا جديدة تخدم هذا الحوار.

لقد حاول الرَّئيسان تَشْييد سدٍّ مَنيعٍ يَقي المِنْطقة أَقلّهُ، مِن “صِراع الحَضارات”، ذَلك العُنْوان الَّذي “قامَت عليه السِّياسات الخارجيَّة لعددٍ من الدُّول، وقد نشَبت حُروبٌ باسْمِها”، على ما رأَى الرَّئيس اليونانيّ، مُميِّزًا بَين “حضاراتٍ حقيقيَّةٍ” لا تَتصارع مع بعضِها، وأُخْرى مزيَّفة ودَخيلة على المِنْطقة!.

وأمّا الدَّواء الشَّافي فَيكون من خِلال المَعْرفة المُتبادَلة، وتَعْزيز التَّواصل، وترميم جُسور العُبور إِلى الأورو – مُتوسّطيّ… كما وأَنَّ الحِوار بين الأَديان يُشكِّل شرطًا لا مفرَّ منْه للحِوار بين الحَضارات.

Back to Top